ما يلجلج به الصدر…

عشنا فترة كاذبة من الايمان بالديمقراطية وصناديق الاقتراع لانها دائما كانت تصب في مصلحة من يعتلي السلطة ، فانتقلنا مع ما تم تعويدنا عليه من انتخابات مطمئنين الى نتائجها مآيسين على نزاهتها ، فننسى تزويرها تارة ، ونتجاوز عن التصريحات بشأنها تارة لنصل الى امر واقع يمكننا تدوير عجلة الدولة لتسيير أعمال حياتنا اليويمية ، فنكسب رزقنا ونعود لنميمتنا عن الدولة واعضاءها ، ونوابها وأعيانها ، فيكون للمعارض هالة جميلة يرتاح فيها وكذلك المؤيد والموالي للنظام ( اي نظام ) فيعيشون ويموتون ليقال عنهم فلان مات وهو معارض وفلان مات وهو موالي ، وفي كلتا الحالتين هناك منتفعون وهناك نزيهون ( رايحة عليهم).
لم تكن تلك الهالات قد اخترقت ابدا ، وحتى لو تم اختراقها سريعا يعود صاحبها الى الشفاء التام بذكر معين أو اغنية معينة أو جلسة ترميم من اصحاب فكره. ثم حضر الربيع العربي مفاجئا كل العادات والتقاليد ، ليختبر تلك الاعتقادات فعليا ، فلم يبقى رأي ينتهي بجلسة بعد عشاء فاخر ، أو بعد توصيلة من مكان الى مكان ، بل اصبح الرأي يؤيد قاتل أو يؤيد مقتول ، فتنبه الناس ، ولم يلتفوا حول أحد بل زاد دعائهم لإخراج امتنا من هذه الفتن ، وطبعا كلما دعونا أكثر ازدادت البلاد ابتلاء ، بدءا بفلسطين والعراق ثم تونس ، وليبيا ومصر وسوريا واليمن ، ثم عادت مصر الى الساحة مرة أخرى والخوض في الراي هنا حول صحة الانقلاب من عدمه غير منتج وهذا المقال سيجيب لماذا :
ثار الناس على صناديقهم المزورة ( ثورة على مبارك ) ، ثم ثار آخرون على تلك الثورة ( صناديق أخرى يرجح أنها اصدق من التي قبلها) ، فعادوا مرة أخرى يثورون على الثورة الثانية ، وكان الجيش في الحالة الاولى مؤيدا وفي الحالة الثانية مؤيدا وفي الحالة الثالثة متصادما رغم تشابه الثورات في جنسية المتظاهرين وضياع العدد ثم تدلت شفاه الاعلام على أعيننا بكل ما تحمل من خصائص حيوية مقرفة ، يؤيدون وآخرون يعارضون ، لكن في هذا العصر الاختلاف بالراي ليس وجهات نظر وحسب، وإنما قلب الحقائق تماما دون شهود على خبر واحد، فحققوا حديث آخر الزمان حين يصبح المؤمن كافرا ويصبح الكافر مؤمنا كعقارب الساعة لا يدري الحليم أين يذهب برأيه ، فإن أيد الاخوان هوجم وإن أيد النظام لعن ، ويبقى لدينا في هذه المعادلة شيء واحد ثابت ، ألا وهو القتل …
المقتول لم يعد لديه نصيب في هذه الدنيا ، ولكن يبقى اهله ينظرون ، يحترقون على فلذات أكبادهم ، يلعنون الطرف الآخر وأهله ومن والاهم.
السؤال الحقيقي هنا ، في ظل تخبط الناس بين الاعلام وتبادل الاتهامات ، ووقوع الظلم على المقتول واهله ، هل ما زلت متأكدا من موقفك الداعم للقاتل بغض النظر عن الشيء الوحيد الثابت وهو وقوع الظلم على طرف؟
أمثلة من التاريخ :
في معركة الجمل ، حين وقعت الفتنة بين الصحابة سيدنا علي رضي الله عنه بجهة ومعاوية بن ابي سفيان من جهة أخرى بتأييد من أم المؤمنين ناقلة الحديث ستنا عائشة رضي الله عنها ، قتل الصحابي الجليل عمار بن ياسر برصاص قوات الجيش الاموي النظامي ، وقد سبق وان قال له سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أنه سيقتل على يد الفئة الباغية ، وحينها ذهب عمرو بن العاص الى معاوية ينقل له الخبر وتداعياته كون الفئة التي قتلته بنص الحديث الشريف هي الفئة الباغية فقال له ” بل قتله علي واصحابه لانهم دفعوه الى المعركة ” فحين أعلن ذلك للجيش المتردد والخائف من الحديث الشريف وحكمه نهض رجل من أهل الشام يقول له ” هل قاتل حمزة اذا هو رسول الله؟” انتهت القصة. ومن الجدير بالذكر أن عبدالله بن عمر بن الخطاب اعتزل تلك الحرب ولم يتدخل بها أبدا.
وفي أيامنا هذه الجيوش النظامية تقتل ، ويبرر قتلها إعلاميا لإبقائنا حائرين من اتخاذ موقف صارم تجاه الوقائع، وينشر الكذب فيدحض الخبر المقابل ويدحض الخبر المقابل ، والسبب في ذلك سميه جهلا ، تعتيما ، كذبا الا أن النتيجة واحدة … حسبي الله ونعم الوكيل ، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
ما هو معيار متلقي المعلومات لكشف الكذب من الحق؟
من نصدق وهل يهم تاريخ الراوي لإعتماد روايته؟:
هل نعتزل الكلام ونخشى الوقوع في الفتنة؟ خشية أن يبتلينا الله بمثلها؟ لان الكلام بدون علم مصيبة .
هل ننظر الى الخبرين المتناقضين ونعمل عقولنا؟
هل نتخذ قرارا بتأييد أعمى لجهة نختارها نتشارك معها بايديولوجيا معينة؟
هل نتدخل لحل الموضوع عقلانيا؟ وهل فات الاوان على ذلك؟
ساعدوني على الاجابة.

3 thoughts on “ما يلجلج به الصدر…

  1. صديقي أبا عمر،

    جواباً على سؤالي: “ما هو معيار متلقي المعلومات لكشف الكذب من الحق؟” و “هل ننظر الى الخبرين المتناقضين ونعمل عقولنا؟”

    أعتقد أن الأساس هو في أمرين:
    1- التوجه إلى الله بالدعاء للحماية من الفتن و السير على طريق الحق.
    2- أن يتلقى الشخص المعلومة فيديرها في عقله و يتأملها و يقارنها بمعلومات سابقة عنده كي يخرج بالرأي الصواب، أو الأقرب إلى الصواب، دون تقليد لآراء الآخرين و دون التأثر بالعواطف الجياشة للناس على الإعلام.

    **

    بالنسبة لاعتزال الكلام اتقاء للفتنة، هو أمر يحتمل الرأيين. فمن جهة اعتزال الفتنة قد يساعد في عدم صب الزيت على النار، و من جهة أخرى ربما يكون من الواجب أن يدلي (مشاهير) الناس بآرائهم، كي ينصروا الحق (الذي يرونه حقاً).

    **

    بالنسبة لسؤال “هل نتخذ قرارا بتأييد أعمى لجهة نختارها نتشارك معها بايديولوجيا معينة؟”:
    طبعاً لا. (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال)

    **

    ملاحظة أخيرة، أحبك يا صديقي (في الله و لشخصك :) )

  2. السلام عليكم يا أبا عبد الله
    الآن استطعت أن أقرأ هذه المقالة.
    أحببت أن أعلق على نقطة واحدة.

    عبد الله بن عمر … هذا الرجل الصحابي الزاهد العابد …. قال في آخر حياته:
    “ما ندمت على شيء ندمي أني لم أنصر علياً فإنه كان على الحق”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>